حسن محمد تقي الجواهري
360
الربا فقهياً واقتصادياً
وكانت عادة الناس إنفاق ما ينالون من الثروة للاستهلاك وللتجارة فما زاد عن الحاجة حول قسم منه بالإلزام إلى الفقراء والمعوزين ليسهموا في شراء بعض الحاجيات الاستهلاكية اللازمة ، ودخل القسم الآخر في عملية الإنتاج أيضا ، فإن دورة الإنتاج تسير بسرعة ولا تتوقف ، فتنفي البطالة وتزداد دخول الأفراد نتيجة عدم توقف الإنتاج وكثرة الاستهلاك . على أن المندوحة الكبرى للربا هي المشاركة في العمل والربح على أساس المضاربة أو القراض ، فإن صاحب المال عنده مندوحة كبرى للهروب من الربا وهو عقد المضاربة أو نظرية القراض ، فإذا أراد أن يكون له ربح من دون أن يعمل ، فعليه أن يتشارك مع صاحب العمل ، بأن يكون منه المال ومن العامل العمل فيكون الربح بينهما بالاتفاق ، والخسارة المالية تكون على صاحب المال وحده وصاحب العمل يخسر عمله فقط ، وسوف نتكلم عن نظرية المضاربة في فصل آخر إن شاء الله تعالى . بالإضافة إلى أن القرض من دون ربا ليس بمستحيل وكل ما في الأمر أن القانون أباح التعامل بالربا ، فلو حرم الربا وتبنينا نظام الإسلام في تحريمه نجد أن القرض متوفر بكل سهولة من دون ربا ، فإن الفقهاء ذكروا استنادا إلى الأحاديث الشريفة أن القرض أفضل من الهبة إذ أن ثواب القرض بثمانية عشر حسنة في حين أن الهبة بعشر حسنات ، وعللوا ذلك : 1 - بأن القرض لا يقع إلا في يد المحتاج والهبة تقع في يد المحتاج وغيره . 2 - إن القرض يرجع ليقرض ثانية بخلاف الهبة فإنها لا ترجع ( 1 ) . على أن المجتمع الإسلامي ظل لقرون عديدة يسير شؤون اقتصاده على أحسن ما يتصور من الطرق بدون ربا ، وهذا دليل لوجود المندوحة للربا .
--> ( 1 ) تراجع الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني 4 / 11 .